عبد الكريم الخطيب

894

التفسير القرآنى للقرآن

ومما جاء به الإسلام في هذا : أولا : أنه جعل الخير خيرا في ذاته ، والشرّ شرّا في ذاته ، ولم يلتفت إلى تلك التصورات الذهنية الطبيعة الشر والخير ، وإنما نظر إليهما على أنهما كائنان قائمان في الحياة ، يشعر بهما المرء ، ويجد آثارهما في نفسه . . فالنار إذ يستدفىء الإنسان بها خير ، والنار إذ تحرقه ، شر . . إنها خير وخير محض في حال ، وشر وشر محض في حال . . هذا جانب الخير يراه الإنسان في الأشياء حين يقيسها إلى نفسه ، ويحكم عليها بما تقتضيه مصلحته . . ومثل هذا جانب الشر ، الذي يراه الإنسان في الأشياء ، حين يأخذها بمعياره الشخصي الذاتىّ أيضا . ولا تحسبنّ الإسلام يجعل الخير والشر محصورين في دائرة الإنسان الذاتية ، وفي الجانب الحسّىّ من هذه الدائرة . . أي جانب اللذة والألم . . وكلّا . . فهذا جانب وإن لم ينكره الإسلام في تقويم الخير والشر ، لأنه قائم في الحياة ، لا يستطيع الناس الانفصال عنه ، إلا أن الإسلام - فوق هذا - يعلو بهذا الإحساس ، فيرتفع ، عن الجانب المادّى إلى الجانب الروحي ، ومن جانب الذاتية الفردية في الإنسان ، إلى جانب المجتمع الإنسانى من أضيق حدوده إلى آخرها ، امتدادا واتساعا . . ومن أجل هذا كانت دعوة الإسلام إلى التخفيف من متاع الدنيا ، كما كانت دعوته إلى البذل ، والإيثار ، والتضحية ، ثم كان وعده بالثواب والعقاب ، والجنة والنار في الآخرة . وثانيا : كشف الإسلام للناس عن كثير من وجوه الخير والشرّ ، إذ نصّ على كثير من الأمور اعتبرها خيرا ، ودعا الناس إليها ، وأمرهم بها ، ووعدهم الجزاء الحسن عليها . . كالصدق ، والصبر ، وبرّ الوالدين ، والإحسان إلى الناس ، بالقول والعمل ، والوفاء بالعهد وأداء الأمانات إلى أهلها ، والحكم